محمد أبو زهرة
1988
زهرة التفاسير
ولا شبهة في أن مقصده بالبحر ذي الأمواج ما هو فوق حاتم في الجود ، ومن كان له ذوق فليذق مع هذه الآية قوله تعالى : وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصارى ( 120 ) [ البقرة ] حتى يعترف بالفرق المبين . وينتهى من هذا إلى أن الملائكة المقربين أفضل من عيسى - عليه السلام - ، وعيسى من أولى العزم من الرسل ، فالملائكة أفضل من النبيين . وقد خالفه في ذلك كثير من العلماء ، وردوا عليه بردود لا تسقط مقدمة الدليل وهو كون النص يفيد الترقي من المفضول إلى الأفضل ، فالمسيح مفضول ، والملائكة المقربون أفضل ، ولكنها تبطل النتيجة في ذاتها ، وهي كون الملائكة أفضل ؛ ذلك لأن الحديث في الملائكة المقربين ، فكيف تكون النتيجة أوسع وتعم الملائكة أجمعين ، المقربين ومن دونهم ؟ . وعندي أن الترقي قائم ، ولكن في المعنى الذي سيق له الكلام ، ذلك أن النصارى غلوا غلوا كبيرا في المسيح ؛ لأنه ولد من غير أب ، ولأنه جرت على يديه معجزات كثيرة ، ولأنه روحاني المعاني ، فبين الله سبحانه وتعالى أنه مع كل هذا لن يستنكف أن يكون عبدا لله ، ولا يستنكف من هو أعلى منه في هذه المعاني وهم الملائكة الذين خلقوا من غير أب ولا أم ، وأجرى على أيديهم ما هو أشد وأعظم من معجزات ، ومنهم من كان الروح الذي نفخ في مريم ، وهم أرواح طاهرة مطهرة ، فكان الترقي في هذه المعاني ، وهم فيها يفضلون عيسى وغيره ، وبذلك تكون الآيات بعيدة عن الأفضلية المطلقة ، فلا تدل على أفضلية الملائكة على الرسل في المنزلة عند الله تعالى ورضوانه ، وتكون الآية بعيدة عن موطن الخلاف ، والترقي دائما يكون في المعاني التي سيق لها الكلام دون غيرها ، وليس المتأخر أعلى في ذاته من المتقدم وأفضل ، ولكنه أعلى في الفعل الذي كان فيه كقول القائل لا تضرب حرا ولا عبدا ، فالتدرج هنا في النهى عن الضرب ، لأنه إذا كان ضرب العبد غير جائز فإن ضرب الحر من باب أولى غير جائز .